ابن الجوزي
179
بستان الواعظين ورياض السامعين
فيا سوأتا قد آن وقت ترحلي * وها أنا في الميدان ألهو وألعب فإن لم تجد بالعفو منك عن الذي * جنته يدي إني إذا لمخيب ذكر أنه كان بالبصرة فتى وكان مسرفا على نفسه ما ترك ذنبا إلّا ارتكبه ، ولا شرا إلّا اكتسبه ، فلما مرض لم يعده أحد من جيرانه فدعا بعضهم وقال : إنه قد نزل بي ما ترى فإذا مت فادفني في زاوية من زوايا بيتي فقد أذيت جيراني في حياتي وما أحب أن أضر بالموتى بعد وفاتي . فروي بعد موته في المنام في حالة حسنة فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : أوقفني بين يديه وقال : يا عبدي هجروك جيرانك حنقا عليك ، وضيقوا مسالك الرحمة بين يديك ، فوعزتي وجلالي وجودي ومجدي وارتفاعي فوق علو مكاني ما ضاقت رحمتي عنك ، عبدي هذه خلع مغفرتي ومنازل جنتي وخاتم أماني وسجل إحساني وأنا الغفور الرحيم . [ 302 ] حكاية عن الحسن قال الحسن رحمه اللّه : قد علم اللّه منا قبل أن يخلقنا أننا نذنب ونعصيه ولم يمنعه ذلك منا أن جعلنا مسلمين . فاللّه اللّه يا أهل الذنوب مثلي بادروا قبل نزول السكرات ، ووقوع الحسرات واجتهدوا فإن الموت آت ، وكل آت فهو قريب . قد آن وكلما آن فقد حان . وأنشدوا : أآمل أن أخلّد والمنايا * يثبن إليّ من كل النواحي ولا أدري إذا أمسيت حيا * لعليّ لا أعيش إلى الصباح عباد اللّه أيامكم مراحل تقطعونها ، وساعاتكم مناهل تردونها ، والموت يطوف عليكم بالليل والنهار لا يؤخر من فقدت ساعاته ، وفرغت أيامه وأوقاته . [ 303 ] حكاية عن بعض الصالحين يحكى عن بعض السادة الأخيار أنه قال : خرجت يوما لزيارة القبور فإذا بقوم يحملون جنازة فتقدمت إليها وصليت بهم ثم شهدت دفنها فنعست نعسة فأتاني آت فقال لي : قد غفر اللّه لهذا الميت على ظلمة ذنوبه ، فانتبهت مرعوبا فأخبرت بذلك أم الميت فقالت : الحمد للّه رب العالمين واللّه لقد كان مسرفا على نفسه ، فلما نزل به الموت بكى وقال لي : يا أماه ضعي خدي على الأرض والتراب ففعلت ذلك ، فقال : ضعي قدمك على خدي وادعي اللّه واستوهبيني منه فلعله يرحمني وإقلعي